الشيخ محمد الصادقي

95

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

غير ساقط عن الباقين مهما كانوا باغين في غير ما يأمرون به وينهون عنه . وترى المجاهر بالفسق له أو عليه أن ينهى عن فسق آخر ؟ وفي أمره ونهيه مزرءة بشرعة اللَّه ، ومنقصة أو معاكسة في التأثير ! . « أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ » قد تمنع عن الآمر بالبر الناسي نفسه فيه ، ولكنها محدودة بنفس البر الذي به يأمرون ، وإلا رجعت مشكلة عدم كفاءة العدول في كل شىءٍ ، ثم « لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » تحدد المحرم الماقت في القول أمراً وسواه بما لا يفعله نفسه . صحيح أن في الأمر والنهي من غير العادل منقصة في التأثير ولكنه ليس مع الوصف عدم التأثير ، إذ لا حجة للمأمور والمنهي في عدم ائتماره وانتهاءه بأن الآمر تارك لما يأمر ، أو الناهي فاعل لما ينهى . ثم آية التناهي نص في واجب النهي والانتهاء ، ولو كنت العدالة الطليقة شرطاً لوجوب فضلًا عن جواز الأمر والنهي فلا دور إذاً للتناهي ، كما وأن التناهي تعاون على البر والتقوى وهو فرض جماعي بين الجماعة المؤمنة . فكما يجب على المكلفين فعل الواجبات وترك المحرمات فرضاً شخصياً على أشخاصهم ، كذلك يجب التآمر والتناهي وليس إلّا في غير العدل المطلق . إذاً فالواجب الأول على كل المكلفين وقاية أنفسهم بصورة عادلة طليقة ، ثم وقاية الآخرين ، وحين يفسق المكلف أحياناً ويعدل أخرى ، فهو حالةَ عدله مفروض عليه أن يكلف التاركين له أن يحققوه ، أمراً بمعروف هو فاعله ، ونهياً عن منكر هو تاركه ، دونما تعِدِ طورَه أن يأمر بمتروكه وينهى عن مفعوله ، مهما كان خفية فضلًا عن كونه جهراً . فالمصلي التارك للصوم والصائم التارك للصلاة ، يجب عليهما التآمر بأن يأمر الأول الثاني بالصلاة ، ويآمر الثاني الأول بالصوم ، وهكذا التناهي . ولولا جو التآمر والتناهي لأظلم الجوَّ بصورة واسعة شاسعة إذ لا كفاءة في العدول